محمد بن محمد ابو شهبة
110
المدخل لدراسة القرآن الكريم
إذا عرفنا ترتيب الآيات التي نزلت في شأن تحريم الخمر ، وقد ذكرنا ذلك آنفا ، ومثل ما إذا عرفنا أن الآيات الداعية إلى أصول العقائد نزلت أولا ، وأن الآيات التي نزلت في التشريعات التفصيلية ، والأحكام العملية نزلت بعدها ، أدركنا أسرار اللّه في التربية والتشريع ، فما لم تعرف الأصول ، وتطمئن إليها القلوب ، لا يسهل الأخذ بالفروع . الأولية والآخرية إما مطلقة وإما مقيدة : ثم إن أولية النزول وآخريته تارة تكون على الإطلاق أي بالنسبة للقرآن كله ، وتارة تكون مقيدة ؛ إما بالنسبة لموضوع معين ، وذلك مثل أول ما نزل في الجهاد ، وآخر ما نزل فيه ، وإما بالنسبة لمكان خاص مثل أول ما نزل بمكة ، وآخر ما نزل بها ، وأول ما نزل بالمدينة وآخر ما نزل بها ، وإما بالنسبة لسورة ما ؛ مثل أول ما نزل من سورة كذا وآخر ما نزل منها . أما الأولية والآخرية المطلقتان ، فسأتناولهما بالتفصيل ، وأما المقيدتان فسأكتفي بضرب بعض الأمثلة ؛ لأن استيعابها يحتاج إلى مؤلف خاص . ولنبدأ بأول ما نزل وآخر ما نزل على الإطلاق . 2 - أول ما نزل من القرآن اختلف العلماء في هذا على أقوال أربعة : القول الأول : إن أول ما نزل هو قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق 1 - 5 ] ، ويدل لذلك ما يأتي : أ - روى البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - بسندهما عن عائشة أم المؤمنين - رضي اللّه عنها - أنها قالت : أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه - وهو